قصّة الشيخ ابن غديان وملايين الأمير عبدالعزيز بن فهد
بقلم/ ماجد بن عبدالرحمن البلوشي
وافاني صاحبي وقرة عيني سليل العلم والعلماء الشيخ أحمد بن عبدالله بن حمود التويجري – حرس الله مهجته – بنبأ عظيم هو آية في زمن الهلع على الدنيا والفناء في التماس مباهجها والتهالُك على جمع حطامها، فنقلني به إلى قرون خلت وأقوام بادت حين كنتُ أقرأ في أخبار العارفين من سادات المقامات العالية والمنازل الرفيعة في “حلية الأولياء” و”صفة الصفوة” و”سير أعلام النبلاء”، يحمل هذا الخبر في ثناياه منقبة نادرة وعبرة جليلة من حياة الشيخ العلامة عبدالله بن غديان – جاد الله ثرى رمسه بمزن الرحمة والرضوان – .
فقد ذكر لي نقلاً عن الشيخ سعود بن عبدالله بن غديان أنَّ صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد – متّعه الله بالصحة والعافية – أرسل مبلغ خمسة ملايين ريال إلى والده صلة منه وتودّداً إليه وعرفاناً بحق أهل العلم، فنزل المالُ على الشيخِ نزولَ القارعةِ على أهلها، وأصابه جرّاء ذلك همٌّ عظيمٌ فغشيه من البلاء ما غشيهُ، فجمع الشيخ ابن غديّان أبناءه فقصَّ عليهم الأمر حتّى كأنّما ينعي إليهم مصاباً جللاً! وشاورهم في الأمر مخبراً إيّاهم أنه لن يأخذ من المال شيئاً، كما أنّه لا يجمل به أن يرده على الأمير – لسموّ مكانته ورفيع منزلته - وقد وصله به.
فخاضوا في الأمر خوض الملجأ المضطر واتصلت بهم الحيرة وأطبقتْ عليهم السبلُ حتى هُدوا إلى حيلة من حيَل الصالحين!
فاتصل الشيخ بالداعية المحتسب الشيخ عبدالعزيز العمر وفاتحه بالأمر وطلب منه أن يتصدّق بالمبلغ كاملاً ثم يرفق قائمة بجميع من وصله شيءٌ من المال، ففعل ذلك الشيخ العمر وناب عنه في توزيعه على مستحقيه من أهل الحاجة والفاقة ثم أردف ذلك بسرد قائمة فيها ذكر الأسماء والمبالغ التي دُفعت إلى كل شخص منهم.
فأخذ الشيخ ابن غديّان تلك الأسماء وقد انتظمتْ جميع المال وأتتْ عليه ولم يُبقِ منها ريالاً واحداً لنفسه أو لأهله مع أنه ليس من أصحاب الأموال ولا الأرصدة وحياته كفاف، فرفعها إلى سموِّ الأمير عبدالعزيز بن فهد ليكون على علم بمصرف تلك الأموال وأن الشيخ لم يأخذ منها ريالاً واحداً، وإنّما قام بالتصدّق بها على المستحقين من الفقراء والمساكين والأرامل.
فهل رأيتم رجلاً يرى المال كرباً وآفة فيدفعهُ عن نفسه وينأى بها عنه؟!
أما والله إنَّ هذا لعزُّ الدّنيا وزاد الآخرة.
وهذا هو الذي إن قيل “بقايا السلف الصالح” فهو على رأسهم والمجلّي بينهم.
على مثل هذا الزاهد العفِّ الخفيِّ فلتبكِ البواكي.
ولمثل حياته النادرة فليُشدَّ الرحل ويُحدى المطيُّ.
إنَّ هؤلاء الأعلام بسيَرهم العبقة ومناقبهم الخالدة ليطلّون برؤوسهم الشريفة وهم في هذه الأزمنة المتأخرة المتباعدة على أهل القرون الغابرة ويزاحمونهم بالركب على العفاف وغنى النفس وسموّ الروح وشرف المقصد.
كم أؤمّل أن تصل هذه الأخبار الزكيّة التي تغمر النفوس بالمهابة والإجلال والإعظام إلى أولئك اللاهثين وراء سراب الدنيا، المتكالبين على حطامها، ممن جادهم الله بالعلم وخصّهم بالفهم، ليعلموا أن شرف العالم العامل إنّما يكون بغنى نفسه، وأنَّ عزّه بعفافه، وأن رفعته بارتفاعه عن حضيض المال والكدْح في طلبه، لا بالتباهي في جمعه والاستشراف له، ولينظروا كيف جعل الله لهذا العالم الزاهد الخامل لسان صدق في أهل زمانه، فهاهم يلهجون يذكرون مآثره ويعدّدون مناقبه ويرتضون سيرته ويستحثّون الهمم لاقتفاء طريقتهِ، وإنّما عظّموه وملؤوا به النفس لتجافيه عن أعراض الدنيا الزائلة، ولإقباله على الآخرة، وانكبابه على إصلاح شأنه.
واعتبروا - أيها الأحباب - كيف جُزي الشيخ بخموله وإعراضه عن تطلّب المدح أو السعي في ارتفاع المنزلة بانزوائه على نفسه وإقباله على حاله بأن أعقبه الله ذكراً عظيماً ورفعهُ مكاناً عليّاً، ففاح نشْرُ سيرته وعبير مآثره في الآفاق مع بعده عن ذلك في الحياة الدنيا بإخماده لحاله ونكوصه عن طلب السؤدد، فتلهّف النّاس للوقوف على أخباره والتزوّد من آثاره.
اللهم ارحم الشيخ ابن غديّان، واختم لنا بخير، وتوّفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
تأنيث الصبيان
تأنيث الصبيان
بقلم:إبراهيم السكران الحمدلله وبعد،، مدارس آيلة للسقوط في أنحاء الممكلة .. تفاقم مزري لظاهرة المدرس الخصوصي .. تدهور فلكي في أخلاقيات الطلاب .. مخرجات تعليمية لاتتعلم حب القراءة والبحث ومهارات التحليل العلمي.. ازدياد حالات العدوان على المعلمين .. تنامي حالات الهروب من المدرسة .. وضع صحي بائس لمطاعم المدارس .. نقص فادح في المرافق التربوية كتجهيزات المختبرات والمكتبات والصالات الرياضية التي تجعل المدرسة شعلة من النشاط .. ومع ذلك كله .. مع كل هذه الاخفاقات الهائلة لوزارة التربية والتعليم في أسس التعليم ذاتها .. إلا أنها أهملت ذلك كله وذهبت توقد المعارك المجتمعية عبر (إدخال النساء في مدارس البنين)! صارت وزارة التربية والتعليم كطبيب شعبي رأى يداً كسيرة فبدلاً من أن يعالجها جعلها كسراً مضاعفاً ! ياللسخرية .. وزارة المدارس المستأجرة تبدأ حلولها بإدخال النساء في مدارس البنين! كنت أسمع بعض المهتمين يقولون “الوزارة نايمة” .. وصرت أقول الآن ياليتها كانت نائمة.. ولكن العين التي تنفع الناس نائمة .. وعين الاختلاط مستيقظة مرابِطة! قدِّم لوزارة التربية والتعليم أي مشروع خدمي ينفع المدارس أو العملية التعليمية وستجد مشروعك راقداً بين أكوام المشروعات المماثلة في أدراج مسؤوليها .. وقدم بالمقابل أي مشروع يدفع باتجاه نهش شئ من جسد الفضيلة وستجدك غداً مدعوا لاجتماع وقور مع معالي الوزير! وزارة أهملت أزمات تمس أسس العملية التعليمية ذاتها .. هل تريدنا أن نصدق أنها انطلقت في قضية لاتمثل أزمة من “دراساااات علمية” حرصاً على التعليم؟! هل وصل المجتمع إلى هذا المستوى من السذاجة ليصدق فكرة الانطلاق من دراسات حرصاً على التعليم؟ حين ترى مقاولاً يهمل أعمدة المبنى ويحرص على وضع صوتيات الموسيقى داخل الغرف .. فهل تريدنا أن نصدق أنه حريص فعلاً على راحة الساكنين وسلامتهم؟! منذ عدة عقود مضت أخذت تتزايد أعداد المعلمات في الصفوف الدنيا في بريطانيا، حتى أصبحت الصورة النمطية أن الصفوف الدنيا تناسب المعلمات، وكان هذا التوجه متوازياً تاريخياً مع أوج ضغوط الحركات النسوية، وخصوصاً بعد الستينات وهي النقطة التاريخية التي يرى المؤرخون الغربيون أنها المفصل الزمني الحاسم في أكثر التغيرات الاجتماعية الغربية وخصوصاً مايتعلق بوضع المرأة من لباس وعمل وعلاقات الاقتران. وفي السنوات الأخيرة ظهرت عدة أبحاث تدرس (آثار غياب المعلم الرجل على شخصية الطالب في الصفوف الدنيا في بريطانيا) وكانت المسألة محل جدل، لكن كثيراً من هذه الأبحاث أظهرت خطر هذه الظاهرة، وحاجة الطالب الذكر إلى المعلم الرجل، وكانت هذه الأبحاث تدور حول بناء الثقة لدى الطالب، وحتى تستطيع البيئة التعليمية أن تقدم قدوة (Role model) تتناسب مع شخصية الطالب الذكر، وأشارت الدراسات إلى مفهوم ثقافة الرجل (Lad culture) وعلاقة مثل هذه الأجواء النسوية بها. المهم في القضية أن المؤسسة الرسمية المعنية في بريطانيا وهي وكالة التطوير والتدريب للمدارس (TDA) استندت إلى هذه الأبحاث واتخذت قراراً بزيادة أعداد المدرسين الرجال لاستنقاذ التكوين التربوي للصبيان في الصفوف الدنيا (نقلت الوكالة خلاصة هذه الدراسات في موقعها الرسمي على الشبكة (www.tda.gov.uk) فيمكن مراجعتها من هناك). وفي أواسط العام الماضي 2009 أطلقت الوكالة ذاتها (TDA) حملة فعاليات في المدارس البريطانية لتشجيع وإقناع المدرسين الذكور للتعليم في الصفوف الدنيا، وفي شهر يوليو تحديداً من العام 2009 تصور الكاتبة “آسثانا” هذه الحملة التي تقودها وكالة (TDA) الرسمية بقولها: (الدفع الأضخم لزيادة أعداد المعلمين الذكور في الصفوف الأولية تم إطلاقه هذا الأسبوع في محاولة للتغلب على الشح الحاد في المعلمين الذكور الذي يقول الخبراء أنه يؤثر على الصبيان. المئات من الرجال سيحضرون الفعاليات في المدارس حيث يتواجد المدراء والوكلاء والمدرسون لإقناعهم بالعمل في هذه المهنة) [Guardian,12Jul2009] ومن شدة عناية وكالة التطوير والتدريب البريطانية (TDA) بهذه القضية صارت تهاجم من قبل الناشطين في الحركات النسوية والمعارضين لهذه التوجهات، حتى أن الرئيس التنفيذي للوكالة المشار إليها وهو “جراهام هولي” أظهر انزعاجه من ذلك وقال (كلما تحدثت عن حاجتنا لزيادة أعداد المدرسين الذكور في الصفوف الأولية تقول الاتحادات عني أنني أصبحت ضد المرأة!) [Guardian,12Jul2009] وتنقل الكاتبة المهتمة بشؤون التعليم “ليبست” عن البعض قولهم (إن نقص المعلمين الذكور في الصفوف الأولية يعني أنه لن يكون لديهم تواصل منتظم بالرجال حتى سن الحادية عشرة!) [Guardian,23Mar2009] وهذا بدهي أصلاً لايحتاج لكبير دراسات، فإن المدرس الذكر يملك خبرات يحتاجها الطالب الذكر لاتملكها المعلمة المرأة ولاتستطيع إيصالها، والاستهتار بخبرات الرجال وتربية الأجيال عليها يعكس سطحية خطيرة. وبعيداً عن إدراك كثير من الغربيين –وإن كان إدراكاً متأخراً- لخطورة فصل الفتيان عن الرجال، فإن فقهاءنا رحمهم الله حين كتبوا عن التعليم وآدابه نبهوا على كثير من المسائل ذات الصلة، وتكلموا عن أهمية تربية الفتى بين الرجال ليكتسب من شخصياتهم، بل ونبهوا على أهمية فصل الفتيان عن الفتيات في التعليم حتى وهم صغار مراعاة لذلك، فهذا الإمام المشهور سحنون (ت256هـ) كتب رسالة تربوية عن أحكام التعليم وقال فيها (وأكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان، لأن ذلك فساد لهم) [آداب المعلمين، الإمام سحنون، ت.أحمد الأهواني، دار المعارف، ص263] وهذا العلامة القابسي(ت403هـ) فقيه القيروان كتب رسالة تربوية –أيضاً- حول التعليم ونبّه على هذه القضية فقال في طريقة تعليم الصبيان: (ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم؛ أن لايخلط بين الذكران ولإناث) [الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلِّمين، لأبي الحسن القابسي، ت أحمد خالد، الشركة التونسية للتوزيع، ص131] والحقيقة أنني حين أتذكر مصيبة كثير من المعلمين العاطلين الذين لم يجدوا وظيفة، ثم أقارنها بهذا القرار التعيس الذي سيزيد حرمانهم فإنني أتحسر على أن تخطط أمورنا المدنية بهذا الشكل .. آلاف من الشباب الآن -وهم أرباب الأسر- المتخرجين بشهادات معلمين لايجدون وظائف.. ثم يأتينا هذا القرار! هذا التوجه لوزارة التربية والتعليم لايصب في مصلحة تخفيف البطالة بل يصب الكيروسين على نيران البطالة .. بدلاً من أن يفتح للشاب وظيفة جديدة راح يغلق وظائف موجودة! بدلاً من أن يوظف رب الأسرة ذهب يوظف زوجته ويحرم زوجها من وظيفته! ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (إن هذا فيه توظيف للمرأة)، والحقيقة أن توظيف المراة يكون بخلق فرص وظيفية مناسبة لها، وليس باجتياح وظائف الشباب المسكين الذي يعاني هو الآخر من البطالة! هذا كمن رأى رجلاً فقيراً فراح يتصدق عليه بالأخذ من رصيد مفلس أسوأ منه حالاً! ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (نريد رقة في تعليم الصبيان) وكأننا نعاني من ازدياد الرجولة في صبياننا؟! وكأن الجيل الجديد يتفجر فروسية وفتوة! بالله عليك خذ جولة في المجلات الشعرية المصورة، وكثيراً من ضيوف الفضائيات، واشمئز بقدر ماتستطيع من ظاهرة التأنث في الحديث، والتمايل والأصوات الناعسة، والصور المستلقية على أحد جانبيها، بل وخصلات الشعر التي صار يلقيها بعض الرجال على أحد عينيه! نحن في عصر استنوق فيه الجمل وهؤلاء يقولون نريد رقة نسائية في تعليم أبنائنا .. نحن لانريد رقة، فقد أصيب أبناؤنا بأمراضها .. بل نريد ثقافة رجولية يفهم فيها الفتى معنى المسؤولية والصمود والغيرة والحمية بمعناها اللائق به.. بدلاً من أن يكون الفتى في ذروة سنوات التربية يرى اللحية والشماغ والثوب ويردد قال الأستاذ وحكى لنا الأستاذ، ويقف أمام أستاذه رجلاً لرجل .. يأتيك طفلك غداً لايرى إلا تنورة وأسورة وقلائد وقروط وروجاً وقصات شعر نسوية ويردد قالت الأبلة وحكت لنا الأبلة، ويقف أمام أبلته بكيان مختلف عن كيانها، لايدري وهو يشعر بغربته بينهن أين مساره؟! ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (حتى نحمي طلاب الصفوف الدنيا من التحرش من طلاب الصفوف العليا)! والحقيقة أنني حين أسمع مثل هذا الاحتجاج لا أستطيع كظم استيائي من حجم التمثيل البارد .. فهؤلاء الذين يسعون ليل نهار لاقرار الاختلاط في التعليم والعمل هل يمكن أن يكونوا مهجوسين أصلاً بقضية التحرش؟! لكن دعنا نفترض أن هذه حجة يعتقد بعض المحايدين صحتها –لنفترض ذلك جدلاً- فالحل هو فصل المرحلتين عن بعضهما، مع بقاء الرجال في تدريس المراحل الدنيا، هل يمكن لعاقل يحترم عقله أن يصدق أن تأنيث معلمي الصفوف الدنيا مقصوده حماية الطلاب من تحرش الصفوف العليا، ماصلة الحل بالمشكلة بالله عليكم؟! هذا كمن رأى طفلين يتشاجران في غرفة فوضع أحدهما في بيت الجيران! هذا نموذج للحل الذي لاصلة له بالمشكلة! ثم افترض أن أحد الطلاب رسب في بعض سنواته الأولى لأي ظرف مرّ به، ثم صار في الصف الرابع وقد صار كبيراً، فهل سيقى بين المعلمات؟ أم سيكون له وضع خاص؟ هذه مشكلة القرارات التي تبحث عن استعراض أمام الأمريكان أكثر من مراعاة مصلحة البلد. ما أعظم جريرة الوزارة في هذا القرار الغاشم.. أما الإعلاميين الذين شاركو معكم في هذا القرار البشع فوالله لن يفلتو من ضمير الأمة.. وستبقى سبة وعاراً في جبينكم الى يوم الدين.. قناة استبشرنا بإسلاميتها فإذا بها تبرم العقود الخلفية المتعفنة لترويج القرارات الفاشلة.. وتسعى لتطبيع الموقف الاجتماعي من شخصيات تصف أحاديث رسول الله بالوحشية.. وتروج لبعض المعتوهين الذين يسبون صراحة مفهوم (القتال) في القرآن ويرونه تخلفاً وبدائية، مفهوم (القتال) القطعي في القرآن يسب جهاراً نهاراً في أرض الحرمين فهل بعد هذا زندقة؟ بل ويسمونه في الحلقة مفكر اسلامي! أي تدليس أكثر من ذلك؟ كنا نظنها دليلاً الى الحق فإذا بها دليلٌ إلى الشبهات .. على أية حال .. سيسهم في إنجاح المشروع فريقان من الناس: فريق (الترويج الليبرالي) وهو الذي ينشط فيه الاعلاميون الليبراليون.. والفريق الثاني هو فريق (التخذيل الإسلامي) وهم مجموعة من المنتسبين للعلوم الشرعية دأبوا في كل منكر أو ذريعة للمنكر أن يخرجو على الناس ويرددو مقطوعتهم المستهلكة: لماذا تضخمون الأمور، القضية أبسط من ذلك، يجب أن نعالج الأمور بالحوار والهدوء، ولاداعي للصراخ، ويجب أن نعتني بحاجات الناس الفعلية..الخ وكأن النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا خطب لم يكن يغضب حتى كأنه منذر جيش كما في صحيح مسلم (كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم) [صحيح مسلم2042] فأين هذا من برود فريق التخذيل الإسلامي؟! وأما قولهم (يجب أن نعتني بحاجات الناس) فهل الفضيلة وسد ذرائع انتهاكها والتفطن لمخططات الليبراليين ليست من احتياجات المسلمين الماسة! وأما قولهم (لاداعي لتضخيم الأمور) فالحقيقة أن من تأمل ثناء الصحافة الأمريكية على الإدارة الحالية لوزارة التربية والتعليم، ومن تأمل عدداً من القرارات التي غدر بها الفقهاء فلما أجازوها إذا بها مطية لغيرها؛ علم أن هذا الشك والارتياب هو مقتضى العقل والفطنة، وأن ضده ماهو إلا دس للرأس في الرمال.. والله ليسألنكم الله عن فتيان أنثتمو تربيتهم .. والله ليسألن الله كل من بارك هذه الخطوة وهو يعلم أنها خطوة لغيرها، خصوصاً وهو يعلم أن الله تعالى قال في أربعة مواضع من كتابه في البقرة مرتين وفي الأنعام والنور(وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).. والله ليسألنكم الله عن شاب تخرج بشهادة معلم ينتظر الفرج فإذا بكم تغدرون به ذات صباح وزدتم حرمانه وحرمان أسرته لأنكم أردتم أن تقول الصحافة الأمريكية عنكم إنكم أناس راقون متقدمون! والله أعلم،، ابوعمر جمادى الثانية 1431ه
ذكريات على الطنطاوي عن تاريخ مراحل الاختلاط في مدارس الشام
ذكريات على الطنطاوي عن تاريخ < مراحل الاختلاط في مدارس الشام > “….أما الحرب التي تواجه الإسلام الآن فهي أشدّ وأنكى من كل ما كان؛ إنها عقول كبيرة جدًا, شريرة جدًا, تمدّها قُوى قوية جدًا وأمور كثيرة جدًا, كلّ ذلك مسخَّر لحرب الإسلام على خُطَط مُحكَمة, والمسلمون أكثرهم غافلون. يجدّ أعداؤهم ويهزلون, ويسهر خصومهم وينامون. أولائك يحاربونهم صفًا واحدًا, والمسلمون قد فرّقت بينهم خلافات في الرأي ومطامع في الدنيا. يدخلون علينا من بابَين كبيرَين حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها, أمّا البابان الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات. أمّا الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل مَن يصيبه, ولكنّ سريانه بطيء وعدواه ضعيفة. فما كلّ شابّ ولا شابّة إذا أُلقيَت عليه الشُّبَه في عقيدته يقبلها رأسًا ويقتنع بها. أمّا الشهوات فهي داء يُمرِض وقد لا يقتل, ولكنه أسرع سرَيانًا وأقوى عدوى؛ إذ يصادف من نفس الشابّ والشابّة غريزة غرزها الله وغرسها لتُنتج طاقة تُستعمل في الخير, فتنشئ أسرة وتُنتج نسلاً وتقوّي الأمة وتزيد عدد أبناءها, فيأتي هؤلاء فيوجّهونها في الشرّ, للّذّة العاجلة التي لا تُثمِر. طاقة نعطلها ونهملها ودافع أُوجد لوجَّه إلى عدوّنا لندافع بها عن بلدنا, فنحن نطلقها في الهواء فنضيعها هباء, أو يوجّهها بعضنا إلى بعض. هذا هو باب الشهوات, وهو أخطر الأبواب. عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلّوه, وأول هذا الطريق هو الاختلاط. بدأ الاختلاط من رياض الأطفال, ولمّا جاءات الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات. ونحن لا نقول إن لبنت خمس سنين عورة يحرم النظر إليها كعورة الكبيرة البالغة, ولكن نقول إن من يرى هذه تذكّره بتلك فتدفعه إلى محاولة رؤيتها. ثم إنه قد فسد الزمان حتى صار التعدّي على عفاف الأطفال مُنكَرًا فاشيًا ومرضًا ساريًا, لا عندنا, بل في البلاد التي نَعُد أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربّا وأميركا. كان أعداء الحجاب يقولون إن اللواط والسحاق وتلك الانحرافات الجنسية سببها حَجب النساء, ولو مزّقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ورجعتم إلى الطريق القويم. وكنّا -من غفلتنا وصفاء نفوسنا- نصدّقهم, ثم لمّا عرفناهم وخبرنا خبرهم ظهر لنا أن أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة. إنْ كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ فخبروني: هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجّبات الحجاب الشرعي؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشرًا فيهم حتى سنّو له قانونًا يجعله من المباحات؟ ثم إن الوصول إلى العقائد وبذور العادات ومبادئ الخير والشر إنما تُغرَس في العقل الباطن للإنسان, من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الستّ الأولى من عمره. فإذا عوّدنا الصبي والبنت الاختلاط فيها, ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان, ثم تصير أمرًا عاديًا ينشأ عليه الفتى وتشبّ عليه الفتاة, فيكبران وهما عليه؟ وهل تنتقل البنت في يوم معيّن من شهر معيّن, من الطفولة إلى الصِّبا في ساعات معدودة, حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب؟ أم هي تكبر شعرة شعرة, كعقرب الساعة تراه ثابتًا فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه؟ فهو إذن يمشي وإن لم ترَ مشيه. فإذا عوّدنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم؟ ثم سلَّموا التعليم في المدارس الأوّلية لمعلّمات بدلاً من المعلمين. ونحن لا نقول إن تعليم المرأة أولادًا صغارًا أعمارهم دون العاشرة محرّم في ذاته. لأ, ليس محرّما في ذاته, ولكنه ذريعة إلى الحرام وطريق إلى الوقوع فيه في مقبل الأيام, وسدّ الذرائع من قواعد الإسلام. والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ولا يحسّ إن نظر إليها بمثل ما يحسّ به الكبير, ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيُخرجها من مخزنها لو بعد عشرين سنة. أنا أذكر نساء عرفتهنّ وأنا ابن ستّ سنين قبل أكثر من سبعين سنة, وأستطيع أن أتصوّر الآن ملامح وجوههن وتكوين أجسادهن! ثم إن من تُشرِف على تربية الأطفال يلازمه أثر هذه التربية حياتّه كلها, يظهر في عاطفته وفي سلوكه وفي أدبه إن كان أديبًا. ولا تبعد في ضرب الأمثال, فهاكم ابن حزم يحدّثكم في كتابه العظيم الذي ألّفه في الحب (طوق الحمامة) حديثًا مستفيضًا في الموضوع.
خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض, ولكن ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب. فَمَن طلب الرحمة والمودّة واللذّة والسكون والاطمئنان دخل من الباب, والباب هو الزواج. ومن تسوّر الجدار أو نقب السقف أو أراد سرقة متعة ليست له بحقّ, ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس وتأنيب الضمير, وكان له في الآخرة عذاب السعير. فما الذي صنعناه؟ إن للأعراض لصوصًا, ولصوص المال أخفّ شرًا وأقلّ ضررًا من لصوص الأعراض. وهم يحومون دائمًا حول بناتنا, ولكنهم لا يستطيعون أن يقتحموا علينا بيوتنا إلاّ إذا صار الأمر فوضى, وصار (حاميها حراميها) وعاد الناس كوحش الغاب. ففكَّروا وقدَّروا واستوحوا شياطينهم, فوصلوا إلى الرأي: وهو أن يدخلوا علينا من طريق المدارس. فكيف دخلوا من طريق المدارس؟ إن لذلك قصة طويلة الذيول عريضة الحواشي, أعرفها كلها ولكن لا أستطيع الآن أن أرويها كلها, لذلك سأسرد اليوم العناوين وأعود يومًا إلى المضامين. بدؤوا بإدخال المدرسين من الرجال على البنات بحُجّة فقد المدرّسات القادرات. وكان المدرّسون أولاً من أمثال الشيخ محيي الدين الخاني والأستاذ أديب التقي البغدادي والأستاذ محمد علي السراج, وممّن درّس فيها حينًا شيخنا بهجة الطيار وأنا. ثم فُتح الباب للشباب, ومن الشباب قِلّة هم أصلح وأتقى لله من الشيوخ الكبار, وأكثر الشباب من المَستورين الذي لا يُعرف عنهم إقبال على المعصية ولا تمسّك قوي في الدين. ومنهم من هو فاسق يُخفي فسوقه, ومنهم من يجاهر به ويُعلِنه ويجد من الناس من يعجب بهذه المجاهرة ويصفّق لهذا الإعلان. ثم احتجّوا بالرياضة, فكشفوا من أجلها العورات واستباحوا المحرّمات. ثم اتخذوا الحفلات السنوية طريقًا إلى ما يريدون, يصنعون فيها ما لا يجرؤون عليها في غيرها. ولمّا كنت أُدرّس في ثانوية البنات سنة 1949 دُعيت إلى هذه الحفلة السنوية فلم أذهب. وكانت الطالبات (وكلهن بالغات كبيرات) يأتين المدرسة بالثوب الرسمي الساتر, وكُن يحتجبن في درسي ود
